السيد محمد حسين فضل الله
25
من وحي القرآن
وما المشكلة في أن يحرّك اللّه قدرته ليهيّئ السبل لرسله في الوقوف أمام التحديات بقوة ، ليكونوا في الموقع الأعلى لا الأسفل ، من أجل أن تكون كلمة اللّه العليا وكلمة الكافرين السفلى ، كما قال اللّه سبحانه لموسى عليه السّلام : قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [ طه : 68 ] فكانت المعجزة خلقا جديدا للأسباب الخفية في مواجهة الأسباب الأخرى الظاهرة . إن الغيب من أمر اللّه كما هو الشهود من أمره ، واللّه يحرّك غيبه في مواقع إرادته كما يحرك الشهود ، لأنه يتساوى لديه عالم الغيب وعالم الحسّ ، ولهذا فلا بد لنا من أن نتقبل المعجزة في عنوانها الغيبي الإلهي بإيمان وتسليم ، كما نتقبل الأمور الطبيعية الأخرى . وإذا كان الآخرون لا يقبلون التسليم بالأمور الغيبية في الدنيا من خلال المعجزة التي يجريها اللّه على أيدي رسله ، أو الكرامة التي يكرم اللّه بها أولياءه ؛ فيحاولون إنكارها لننطلق إلى إقناعهم بها بطريقة مادية ، فكيف يمكن إقناعهم بالغيب في عالم الألوهية ، أو في عالم الآخرة ؟ ! هذا من الناحية العامة ، وفي الجانب الخاص فإن النص القرآني يؤكد حدوث هذه الأمور من النبي عيسى عليه السّلام وذلك هو قوله تعالى : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ ، إلى أن قال : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي [ المائدة : 110 ] . والقضية - كما أشرنا - لا تمثل أيّ انحراف عن خط العقيدة التوحيدية التي تجعل اللّه - وحده - مصدر كل خلق ، والفاعل لكل شيء ، لأن النبي لا يملك شيئا من كل ما يصدر عنه من معاجز وكرامات بنفسه ، لأنه لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا إلا باللّه ، بل إن اللّه هو الفاعل لذلك كله ، الذي أجرى الأمور على يد نبيه أو وليه من خلال المصلحة التي يحدّدها بحكمة ويؤكدها بقدرته .